لقطة من فيلم "يوم الدين"
حمار هزيل يتضور جوعًا، يجر عربة خشبية متهالكة يصعب ضمان تماسكها لعشرة أمتار إضافية، تحمل ـ بخلاف مجموعة من الكراكيب البالية التي لا تُهم حتى أصحابها ـ طفلين أحدهما صغير والآخر كبير: أوباما، النوبي اليتيم ذو العشرة أعوام، وبشاي، المجذوم الأربعيني الذي يترك مستعمرة أبي زعبل للمرة الأولى في حياته ليبحث عن عائلته. لنخوض معه ومع أوباما وحمارهما حربي واحدة من أعذب الرحلات السينمائية في تاريخ السينما المصرية.
كلمات كثيرة كُتبت بعد الإعلان المفاجئ عن اختيار "يوم الدين"، فيلم المخرج أبو بكر شوقي الطويل الأول، للتنافس في المسابقة الدولية لمهرجان كان السينمائي الدولي الحادي والسبعين، ليكون العمل الأول الوحيد في المسابقة العريقة التي نادرًا ما تضم أعمالًا أولى، ويكفي إنه خلال الدورات السبع الأخيرة للمهرجان لم يشارك سوى فيلم عمل أول واحد في المسابقة هو الفيلم المجري "ابن شاؤول" الذي فاز وقتها بالجائزة الكبرى "جران بري" ليصير واحدًا من أهم أفلام العقد الحالي.
غير أن قيمة فيلم أبو بكر شوقي لا ترجع لاختيار كان له، وإن كان الاختيار سيساعد الفيلم بالتأكيد ويفتح له عشرات الأبواب. القيمة لا ترجع أيضًا لخيار الموضوع والممثل مريض الجذام، وإن كانت شجاعة شكلية وموضوعية آتية بالكامل من خارج توقعات السينما المصرية، السائد منها والمغاير. قيمة "يوم الدين" تكمن في إن موضوعه وبطله ومشاركته في كان هي مجرد تفاصيل جانبية، يمكن أن نذكرها ـ أو لا نذكرها ـ في سياق الحديث عن فيلم إنساني، رقيق، مستقل ومتحقق بذاته، يستمد التقدير من وجوده كعملٍ متكاملٍ لا من أي سبب آخر يمنح بعض الأفلام تقديرًا لا تستحقه.
فيلم الطريق ورحلة الهارب الباحث

ينتمي "يوم الدين" إلى نوعية أفلام الطريق، والتي ورغم ما تطرحه دائمًا من خيارات لا نهائية من مواقف وشخصيات يمكن أن يقابلها الأبطال خلال رحلتهم، إلا إن قاسم مشترك يجمع كل أفلام النوع تقريبًا هو ثنائية الهرب والبحث.
بطل فيلم الطريق دائمًا هارب وباحث معًا، يهرب من وضع لا يرضيه أو سعادة غائبة أو تحقق منقوص، أو حتى من شعور بأن هناك شيءٌ ما خاطئ. ويبحث عن هدف ما، عن الحب أو المال، عن وضع أفضل، عن لحظة اتزان وتوافق مع عالم ما كان يمكن أن يخوض البطل رحلته لو كان راضيًا عنه. تمامًا مثل بشاي الذي أجبره مرضه أن يعيش حياته كلها وراء أسوار المستعمرة، محاولًا الإمساك بالقناعة والرضا، قبل أن يصل للحظة لم يعد في وسعه فيها إلا أن يهرب ويبحث.
يسيطر على بشاي هاجس السلسال، الامتداد في الزمن قبل وبعد العُمر، هاجس شرقي بامتياز، يربط الفيلم بالأسطورة الشعبية المصرية؛ فهذا المجذوم ذي الوجه والأطراف المتآكلة هو قبل كل شيء إنسان من حقه أن يستكمل حكايته، أو على أقل تقدير أن يشعر بانتمائه إلى حكاية أخرى، أصحابها بشرٌ كل ما يذكره عنهم مجرد خيالات من عصر ما قبل المستعمرة.
بشاي ظاهريًا يعيش وسط المكان الوحيد الذي لن يحكم عليه مسبقًا بسبب مرض لا ذنب له فيه، فكل من في المستعمرة إما مرضى أو خبراء في التعامل مع المرضى ـ خبراء على الطريقة المصرية بالطبع! ـ لكنه في الوقت نفسه مكان ينقصه قيمتين أساسيتين في حياة إي فرد راغب في الاكتمال: السلسال والتجربة. ينقصه أن يخلق عائلة أو ينتمي لها، وأن يخوض خبرة الحياة الحقيقية خارج فقاعة المستعمرة، وهما القيمتين اللتين يهرب بشاي بحثًا عنهما.
محبة لا شفقة

من هنا يأتي الخيار الذكي بإضافة شخصية أوباما لرحلة بشاي، ليس فقط بما يضيفه للفيلم من حيوية وخفة ظل، ولكن لأن الشخصيتين يكملان بعضهما البعض. هما متشابهان: كلاهما منبوذ سواء للمرض أو اليُتم، كلاهما لا يعرف شيئًا عن الحياة خارج الأسوار، وهما أيضًا مختلفان: أوباما جريء ومغامر مفطور على المبادرة، بينما بشاي لم يسع له سوى عندما لم يجد حلًا آخر. بشاي جعله المرض يبدو عجوزًا متآكلًا في منتصف عمره، أما أوباما فهو على العكس تمامًا ممتلئ بالحيوية والطاقة.
لاحظ ذكاء اختيار الاسم الذي لم يكن معروفًا قبل تولي الرئيس الأمريكي وقت مولد الشخصية تقريبًا، أي إنه اسم بلا جذور على الإطلاق كحامله. ملاحظة لا نُدرك أبعادها إلا مع تقدم الأحداث واكتشاف ما كان ظاهرًا لكن أحدًا لم ينتبه له، أن بشاي وأوباما في حقيقة الأمر خاضا رحلتهما الطويلة كي يعثر كل منهما عن الآخر.
فيما سبق يكمن ما قد يكون السبب الرئيسي لروعة "يوم الدين": البعد الكامل عن الخطابة أو استدرار العواطف، فرغم إنه لا توجد فرصة أكبر من بطلين أحدهما مجذوم والآخر يتيم، إلا أن الفيلم لا يسقط أبدًا في فخ الميلودراما أو السنتمنتالية، وبدلًا من أن يدفع المشاهد أن يتعاطف مع الشخصيات لأنه مشفق عليها، يجعل مرجعية التعاطف هي الوقوع في حبهما، الإعجاب بخفة ظلهما وذكائهما وبرائتهما في عالم صار خاليًا من البراءة. حتى أن وجه بشاي المتآكل يغدو وجهًا محببًا نريد مشاهدته لفترة أطول على الشاشة، وهذا شعور يستحيل أن يأتي من الشفقة.
حتى في اللحظتين الوحيدتين التي يوحي الحوار فيهما لوهلة أن الأمور ستسير صوب مشهد خطابي معتاد (في لقاء الأب وحديث القزم)، سرعان ما يحوّل أبو بكر شوقي دفة الأمور سريعًا ليعود إلى مسار عنوانه تفهم الضعف الإنساني وتقديره، ليس فقط لدى البطلين، بل حتى ضعف من يقفون في طريقهما أو ينفرون منهما. من مدير المستشفى للموظف غير المكترث للركاب الخائفين من مظهر بشاي وصولًا للأب الذي تركه قديمًا، وحتى رجال الشرطة الذين يقبضون عليه، لكل منهم أسبابه الناتجة عن خوف أو ضعف، ولكل منهم جاذبيته الخاصة حتى وإن لعب في مسار الدراما دور العقبة أو الخصم، وهو نجاح درامي لا يتحقق إلا في عملٍ كبير.
في مدح المنبوذين

"يوم الدين" يتفهم مشاعر البشر بشكل عام دون كراهية أو أحكام، حتى على من يُقدم على فعلٍ سلبي. لذا كان من الطبيعي أن تصير العلاقة الأكثر عذوبة هي التي يبنيها الفيلم مع المنبوذين، المطرودين من نعيم مجتمع نعرف يقينًا إنه ليس نعيمًا، مع المريض واليتيم والقزم والعاجز والمشوه، وغيرها من أحكام القدر التي تجعل صاحبها يعيش حياته كاملة منقوص الأهلية، مُبعد حتى من الحياة العادية البائسة، مُعرّف بين البشر بصفة لم يخترها، تمامًا مثل بطل الفيلم راضي جمال (الذي لن أندهش إن قررت لجنة كيت بلانشيت منحه جائزة التمثيل)، والذي كتبت وستكتب عنه مئات الصحف والمواقع باعتباره "الممثل المصاب بالجذام".
أبو بكر شوقي لا يسعى لحذف هذه الصفة عن ممثله المبدع، فحتى لو حاولنا، الواقع يستحيل أن يسمح. وإنما يحلم الفيلم بفهم تعقد السياق الإنساني، بإدراك إنه من الطبيعي أن تكون حالة كهذه ذات تأثير ضخم على حياة صاحبها، لكنها لا يمكن أن تسلبه خصوصيته البشرية، نقاط قوته وضعفه وسماته النفسية واختلافه عن الآخرين. يطمح الفيلم لأن يدرك ولو مشاهد واحد أن الإنسان المكتمل غير موجود، وأن كلنا بشكل أو بآخر نعاني من عجز ما، لذا فمن الحكمة أن نتكاتف معًا ليس من باب الرفق بالضعيف، ولكن لأنه السبيل الوحيد لامتلاك بعض القوة.
"يوم الدين" تجربة فريدة في مسار السينما المصرية، ليس فقط لمشاركته في مسابقة كان، ولا لموضوعه وحالة بطله، ولكن لأنه إذا كان الفيلم الجيد هو الذي يلامس شيئًا داخلنا ويضرب وترًا في مشاعر مشاهديه، فإن فيلم أبو بكر شوقي يضرب أوتارًا عديدة.
اقرأ أيضا
فيلم افتتاح كان: "الجميع يعلمون".. أصغر فرهادي يتعثر في تجربته الإسبانية
20 فيلمًا يترقبها العالم في مهرجان كان 71
مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يفتتح دورته الـ 47 بفيلم «أنا أؤدي روكي» للمخرج الحائز على جائزتي أوسكار بيتر فاريلي
إياد نصار يثير الغموض كضيف شرف في فيلم الرعب "ممسوس"
معتصم النهار: تعرضت للتحرش على السوشيال ميديا بسبب جمالي
رمضان 2027 - محمود حجاج مؤلفًا لمسلسل مصطفى شعبان ونيللي كريم
خالد سليم: سعيد بوجودي في مهرجان الموسيقى العربية بعد فترة تعب كانت صعبة جدًا
معتصم النهار يكشف سبب غيابه عن العرض الخاص لـ "نصيب" أول أفلامه في مصر
رمضان 2027 - أول صورة تجمع عفروتو ومحمد رمضان من كواليس "عشماوي"
"حفلات أم كلثوم في باريس" و"ذاكرة السينما المصرية في 70 عاما" ... أسبوع الجونة للصورة يستعيد حكايات الفن والتاريخ
رعب "ممسوس" في الإعلان الأول للفيلم
الفيلم المصري "خروج آمن" أفضل فيلم ... جوائز الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي
ركين سعد تحصد جائزة نجمة الجونة لأفضل ممثلة عن دورها في "بومة" في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي
رمضان 2027 - محمد رمضان يعلن إصابته أثناء تصوير مشهد مع نمر في "عشماوي"
"مطلوب عائليًا" على قمة شباك التذاكر المصري بإيرادات تتجاوز 43 مليون جنيه
رمضان 2027 – باسم سمرة يعلن انضمامه لمسلسل "عشماوي" بصورة مع محمد رمضان
رمضان 2027 – وئام مجدي تنضم لمسلسل "حليمة جبران"
عبد العزيز أحمد ينضم إلى أبطال فيلم "إيميليا" مع شيري عادل
رمضان 2027- ياسمين صبري بطلة مسلسل "تمكين" مع عمرو سعد من إخراج محمد سامي
ليلى حسين تنضم إلى أروى جودة وزياد ظاظا في مسلسل "ولاد اللذينة"
طارق العريان: أحمد سعد دمه خفيف وأعرف أطلع منه تمثيل كويس
ريم عامر تخوض مغامرة كوميدية جديدة بمسلسل "دافنينه سوا" على WATCH IT
ميرهان حسين محاطة بالبالونات الملونة في جلسة تصوير عفوية وأجواء منزلية بمناسبة عيد ميلادها
تكريم وفاء عامر وأحمد بدير وهاني رمزي في حفل افتتاح مهرجان VS-FILM للأفلام القصيرة جدا
مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يفتتح دورته الـ 47 بفيلم «أنا أؤدي روكي» للمخرج الحائز على جائزتي أوسكار بيتر فاريلي
فيديو - مدين يجدد تعاونه مع أحمد سعد في ألبوم الموسيقى العربية بأغنيتين بعد الألبوم الحزين والإلكترو